الخميس، 2 يوليو، 2015

أهالي عدلون.. عودة الحلم بـ «الذهب الأسود»

آثار الشركة الألمانية التي حطت رحالها على شاطئ بلدة عدلون في ساحل الزهراني، في مطلع ستينيات القرن الماضي من أجل التنقيب عن النفط والغاز، ما تزال محفورة على رمال الشاطئ، وفي ذاكرة الأهالي. اليوم، وفي ظل الحديث عن البترول الواعد في لبنان، يحلم أهالي عدلون أن تستعيد بلدتهم تجربة التنقيب الأولى التي عرفوها عن «الذهب الأسود»، وأن يحتضن ساحل بلدتهم مجدداً شركات تنقيب جديدة، تساهم في انتعاش المنطقة اقتصادياً ومعيشياً، وتحمي أبناءهم من البطالة والهجرة، فيما حقول الحمضيات تثمر كثيراً ولا تدر أرباحاً تذكر.
ويعقد أهالي البلدة آمالهم على الانطلاقة الجديدة في ملف النفط، المتمثلة بالنتائج الإيجابية للمسح الزلزالي الذي أجرته شركات أجنبية عدة، وأظهرت وجود النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، وهم، بعد نتائج هذه الدراسات، باتوا متيقنين أن شاطئ بلدتهم يختزن كميات كبيرة من النفط والغاز، كما تبين في فترة الستينيات.
صورة وبساتين

طفل يجلس أمام منزل كان المهندسون الألمان قد استأجروه في عدلون قبل نحو خمسة عقود (عبدالله إبراهيم)

لم يبق في ذاكرة أهالي عدلون عن أحلام الرفاهية المصاحبة لاستخراج النفط والغاز، غير صورة فوتوغرافية محفوظة في دارة السيد كاظم إبراهيم، حيث تظهر في الصورة آلات عملاقة مغروزة عند السفح القريب من الشاطئ، بمحاذاة بساتين الليمون. يؤكد أهالي عدلون أن الشركة الألمانية بقيت نحو ثلاث سنوات في منطقتهم تنقب عن النفط والغاز، «وقد حطت بيننا منذ العام 1960 حتى العام 1963»، إلا أنهم يتذكرون أن نتائج التنقيب لم تأت على مستوى التوقعات، وبالتالي لم تثر شهية هذه الشركة ولا غيرها، فتراجع الاهتمام بالموضوع، في حينه.
ويتحدّث آخرون كيف أن المهندسين الألمان حملوا عدتهم وأفلوا عائدين من دون معرفة الأسباب، وطمروا الآبار التجريبية التي حفروها في «ليلة لا ضوء للقمر فيها»، وبقيت الأمور غامضة، كما فعلوا قرب المنحدر الغربي في جبل تربل شمال مدينة طرابلس. يقول محمد السلمان ابن عدلون: «قالوا يومها إن تكلفة الاستخراج أكبر من الكمية الموجودة. لكن بعد سنوات أكد أحد الخبراء المحليين أن الكمية كبيرة جداً، ولكن الشركات المستثمرة في الخليج لم توافق على التنقيب في لبنان، إضافة إلى سبب آخر، هو أن إسرائيل كان لها دور في منع الاستخراج»، مشيراً إلى أن «لو استمر لبنان في عمليات التنقيب الفعلي عن الذهب الأسود، لأصبح دولة نفطية، وسبق كلاً من إسرائيل وقبرص في التنقيب».
أما عبد الله إبراهيم، فيتذكر: «كنت في بداية وعيي عندما جاء المنقبون إلى بلدتي. وأذكر أنه كان هناك مخيم للعاملين قرب مكان التنقيب، وبيت مستأجر في البلدة للخبراء والمهندسين، وكان مكان التنقيب يضاء بالكهرباء بواسطة مولد للكهرباء، لأن الكهرباء لم تكن قد وصلت بعد إلينا. استأجر المنقبون بيت خليل يوسف عبود، في وسط البلدة، وكان بيتاً حديثاً بمقاييس ذلك الزمان، احتفظت له بصورة وهي تعود للعام 1962، أعطيت بلدية عدلون نسختين عنها، وأرسلوا واحدة للوزارة المختصة».
يضيف: «كان من الطبيعي أن يكون أبناء البلدة سعداء بعمليات التنقيب، لاعتقادهم أن أراضيهم الزراعية سيتحسن سعرها، وستتوافر فرص عمل ﻷبنائهم، وفعلا فقد استعانت الشركة بعدد من أبناء البلدة للحراسة، وأعمال التنظيفات وبعض اﻷعمال البسيطة. أظن أنهم حفروا حتى عمق 2500 متر، وتكتموا على النتائج، ثم قرروا فجأة إقفال البئر»، لافتاً إلى أنه «لا توجد وثائق بين أيدينا تثبت إذا كانوا قد وجدوا شيئاً أم لم يجدوا، برغم أن أعمال التنقيب استمرت عدة سنوات، إلا أن الصورة الموجودة في مكتبة شقيقي تثبت أنهم كانوا هنا، بالإضافة إلى ذاكرة الناس».
ثلاث فرضيات
يقول خبير تنقيب محلي إن منطقة ساحل الزهراني عند شاطئ عدلون تعتبر من النماذج الهامة التي عاشـت تجربة التنقيب منتصف القرن الماضي، وهي اليوم بانتظار إعادة التجربة نظراً إلى الدراسات التي أكدت أنها تختزن كميات كبيرة من «الذهب الأسود».
وفيما ربط آخرون توقف التنقيب عن النفط بالواقع السياسي الذي استجد في لبنان في تلك الحقبة، وظروف الحرب الأهلية التي أتت لاحقاً، مرفقة بصعوبات لوجستية، بالإضافة إلى كلفة الاستخراج، يقول محمد رحيل، وهو مهندس بترول من البلدة: «كنت في السادسة من عمري، لا أذكر الكثير، إلا أن موقع التنقيب كيف كان مسيجاً، بالإضافة إلى مكان إقامة مهندسي المشروع، وكانا بالقرب من مدرستي الابتدائية في بلدة عدلون».
يضيف رحيل: «قرأت في ما بعد عن تجربة التنقيب عن النفط عند شاطئ البلدة ثلاث خبريات، الأولى: أن هذه العملية كانت عملية احتيال على اللبنانيين المتمولين لأنهم أسسوا شركة مساهمة. الثانية: أن دولة خليجية ضغطت على لبنان ورشت بعض السياسيين حتى لا يُستخرج النفط. الثالثة: وهذا ما أميل إلى تصديقه، أن كميات المياه الموجودة مع النفط كبيرة جداً، لذلك كانت كلفة الاستخراج والتكرير عالية جداً بحسب الأسعار التي كانت سائدة في تلك الأيام، وكانت غير مربحة».
ومن باب تشجيع المعنيين على البدء في التنقيب، يقول غازي شعبان، وهو من سكان عدلون: «أنا سمعت والله أعلم، أن آبار النفط تقع تحت بلدتنا، ولكثرة ما هي ضخمة ومتمددة، قد تكون متصلة بالدول العربية»، مشيراً إلى «اننا أغنياء، إذ تجري من تحتنا أنهار الذهب الأسود، مع أننا نعيش عيشة الفقراء، نتوزع في أصقاع اﻷرض بحثاً عن حياة كريمة افتقدناها في مساقط رؤوسنا».


المصدر جريدة السفير 
http://assafir.com/Article/428068/Archive